تقديم

يسرنى أن أقدم للقارئ الكريم هذا الكتاب المهم عن بطل مصرى حر هو القائمقام يوسف صديق، الذى كان له الدور الأول فى نجاح ثورة 23 يوليو، اذ كان هو أول من أطلق شرارتها، وأكثر من حافظوا على مبادئها التى قامت عليها عندما تنكر الآخرون لهذه المبادئ، ولم يتحمل ضميره البقاء فى صفوفها عندما انحرفت عن طريق الدستور والديمقراطية واتجهت اتجاهها الدكتاتورى المعروف ودفع ثمن ماقفه الشريفة غاليا.
كنت أول من ألقى الضوء على دور القائمقام يوسف صديق عندما كنت أنشر دراستى عن أزمة مارس 1954، ولذلك عندما عرض على المناضل الكبير الأستاذ محمود توفيق، وهو زوج ابنة يوسف صديق، نشر أوراقه فى سلسلة تاريخ المصريين رحبت تماما، فقد سبق لى أن رحبت بنشر كتاب "ثورة يوليو والحقيقة الغائبة" لكل من اللواء/ مصطفى عبد المجيد نصير، واللواء/ عبد المجيد كفافى، واللواء/ سعد عبد الحفيظ، والسفير/ كمال منصور، الذى يصحح الكثير من المعلومات عن ثورة يوليو، وقد صدر هذا الكتاب فى هذه السلسلة ونشر تحت رقم 122، ومن الطبيعى أن أرحب بنشر أوراق الرجل الذى كان باعتراف الجميع السبب الرئيسى فى نجاح ثورة يوليو.
وقد كان الكتاب الذى قدمه لى الأستاذ محمود توفيق فى البداية عبارة عن حقيبة بيرة من الأوراق دون أى ترتيب، وقد اخترت منها ما يصلح للكتاب، وقمت بتبويبه، دفع به للمطبعة، وطبعت البرفة الألى منه، ولكن الأستاذ محمود توفيق وابنة البطل يوسف صديق أدخلا تعديلات كثيرة على الروفة الأولى، وقد قبلتها على الفور، وهى التى انتهى اليها الكتاب بصورته الحالية، وتلقيت موافقة الأستاذ محمود توفيق عليه.
وينقسم الكتاب الى ثمانية فصول، الفصل الأول ويتضمن أوراقا تمهيدية، أما الفصل الثانى فيتضمن مذكرات يوسف صديق،  ويتناول الفصل الثالث التساؤلات التى أثيرت عن ليلة الثورة، أما الفصل الرابع فيتحدث عن مواقف يوسف صديق فى مجلس الثورة، ويتناول الفصل الخامس دور يوسف صديق فى أزمة مارس 1954 ووقوفه الى جانب عودة الجيش الى ثكناته وعودة الديمقراطية للبلاد، أما الفصل السادس، فيتناول الكتابات التى نشرت عن يوسف صديق، ويتناول الفصل السابع الدعوى القضائية التى رفعها أولاد يوسف صديق ضد وزارة الدفاع بسبب غياب تمثاله فى المتحلف الحربى، على الرغم من أن دوره فى نجاح الثورة هو الدور الرئيسى! ولما كان يوسف صديق شاعرا ومحاربا، فقد تناول الفصل الثامن مختارات نادرة من شعره السياسى.
وأملى أن أكون قد أضفت بهذا الكتاب وثيقة مهمة من وثائق ثورة يوليو كانت المكتبة العربية فى حاجة اليها.
والله الموفق.
                  رئيس التحرير
               د. عبد العظيم رمضان

1- الفصل الأول: أوراق تمهيدية

أوراق تمهيدية

(أ) يوسف صديق -بقلم ابنته السيدة/ سهير يوسف صديق- 


(ب) يوسف صديق

نبذة عن يوسف صديق

** ولد فى 3 يناير 1910 بقية زاوية المصلوب مركز الواسطى -مدرية بنى سويف- وهى موطن والديه.

** كان والده اليوزباشى منصور يوسف صديق ضابطاً بالجيش المصرى، واشترك فى حرب استرداد السودان، وأمضى مدة خدمته العسكرية كلها فى السودان، وتوفى فى يعان شبابه سنة 1911، وكان يوسف مازال رضيعاً.

** وجده هو المرحوم يوسف صديق الأزهرى وكان بدوره ضابطا بالجيش المصرى بالسودان، وكان حاكما لاقليم كردفان عند قيام الثورة المهدية، وقتل على يد الثوار هو وسائر أفراد أسرته ولم ينج منهم غير ولده منصور وأخ أصغر له ه أحمد اللذين تمكنا من الهرب الى مصر وهما فى سن الصبا. 

** وكان خاله هو الضابط الشاعر الوطنى محمد توفيق على الذى كان ضابطا بالجيش المصرى بالسودان وشارك فى حرب استرداده وأمضى مدة خدمته كلها بالسودان الى أن استقال من الجيش سنة 1912 بسبب كثرة مصادماته مع رؤسائه الانجليز فى الجيش، وقد لعب دوراً مهما فى حياة يوسف صديق وفى توجهاته الوطنية والأدبية، كما كان هو الذى ساعده فى الالتحاق بالكلية الحربية.

** نال يوسف شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) من مدرسة بنى سويف الثانوية والتحق بالكلية الحربية سنة 1930 وتخرج سنة 1933 ملازماً ثانياً بالجيش المصرى بالسلوم ثم مرسى مطروح الى أن عين مدرساً بالكلية الحربية حيث تخصص فى مادة التاريخ العسكرى.

** التحلق بكلية أركان حرب وتخرج منها سنة 1946 حيث عمل فى ادارة الجيش قسم السجلات العسكرية.

** كان فى طليعة القوات التى دخلت الى فلسطين فى 15 مايو سنة 1948 وشارك بدور بارز فى حرب فلسطين حيث كانتالكتيبة هى أكثر الوحدات المصرية توغلا فى الأرض الفلسطينية، وتمكنت من الوصول الى بلدة (أسدود) على مقربة من (تل أبيب) استطاعت الاحتفاظ بهذا الموقع حتى نهاية الحرب، وانسحاب الجيش المصرى الى (غزة).

** عرف فى وسط الضباط بمواقفه الوطنية وشجاعته، وكانت له مواقف عروفه فى هذا الشأن، وكثيراً ما عبر عنها فى أشعاره التى كان يلقيها على زملائه الضباط فى المناسبات المختلفة، مما جر عليه سخط السلطات الحاكمة، بقدر ما أكسبه حب وثقة العناصر الوطنية من ضباط الجيش، وتمثل ذلك فى تعمد قيادة الجيش تخطيه فى الترقيات لسنات متعاقبة رغم اعترافها بدوره البطولى فى حرب فلسطين، كما تمثل فى ملاحقته بالتنقلات المتتالية والعمل على تشتيته بصفة مستمرة، بل ثبت بعد ذلك من اعترافات أفراد الحرس الحديدى التابع للملك فاروق أنه كان مستهدفاً للاغتيال فى الأيام السابقة على قيام ثورة يوليو سنة 1952.

** كانت له علاقات مع بعض القوى والأحزاب والتنظيمات السياسية قبل الثورة بحثاً عن مجال للعمل الوطنى والثورى، كان أهمها فى النهاية علاقته مع تنظيم الجيش فى الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى (حدتو)، وذلك على النحو أوضحه فى مذكراته.

** انضم بعد ذلك الى تنظيم الضباط الأحرار حيث رشحه للعضوية الضباط وحيد جوده رمضان الذى كان يعمل معه فى منطقة العريش، وتم انضمامه على أثر لقاء بينه وبين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر جرى بواسطة الضباط وحيد رمضان وذلك فى أكتوبر سنة 1951، كما تكرر لقاؤه بعبد الناصر وعبد الحكيم عامر أكثر من مرة بعد هذا التاريخ قيام الثورة على النحو الذى أشار اليه فى مذكراته.

** كانت وحدته العسكرية وهى الكتيبة الأولى مدافع ماكينة، تعسكر فى منطقة العريش، ثم صدرت له الأامر بالانتقال الى القاهرة، استعدادا لترحيلها الى السودان، وصدر الأمر ليوسف صديق بأن ينتقل بمقدمة تلك الكتيبة الى القاهرة كقوة عسكرية ادارية واستلام وتجهيز المكان المخصص للكتيبة تمهيداً لانتقالها اليه بعد ذلك، وكان وصول يوسف بمقدمة الكتيبة الى القاهرة فى 13 يوليو سنة 1952.
ولدى وصله الى القاهرة، اتصل به جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر أخطراه بأنه قد تقرر يوم 26 يوليو موعداً لقيام الثورة، ثم عادا وابلغاه بتقديم الموعد الى ليلة 23 سنة 1952 وأبلغاه بأن دوره فى الخطة هو أن يكون قوة احتياطية (صغيرة) الى رئاسة الجيش بعد احتلالها لتأمينها.

** جرت قائع اشتراكية فى أعمال الثورة ليلة 23 يوليو على النحو المفصل فى مذكراته.

** بعد قيام الثورة تقرر ضمه الى مجلس قيادة الثورة الذى تشكل بعد نجاحها تقديرا لدوره الأساسى فى نجاح الثورة، ولم يكن قبل ذلك عضواً فى اللجنة التأسيسية لتنظيم الضباط الأحرار، كما لم يكن يعرف تشكيل هذه اللجنة ولم يعرف من أعضائها غير جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وأنور السادات وحسين الشافعى، ولم يكن يعنيه معرفة أسماء هؤلاء الأعضاء.

** بدأت خلافاته مع مجلس قيادة الثورة مبكرا بعد نجاحها وكانت نقظة الخلاف الجوهرية هى الموقف من قضية الديمقراطية ودفاعا الحازم عن ضرورة انتهاج الطريق الديمقراطى أسلوباً للحكم، ومعارضته الحازمة للاتجاه السائد فىالمجلس للانفراد بالسلطة وفرض حكم عسكرى دكتاتورى على البلاد، كما تعددت اسباب الخلاف فى الموقف من أعدام العاملين (خميس والبقرى) واعتقال الخصوم السياسيين واعتقال ومحاكمة ضباط الجيش المعارضين.

** تطور الخلاف بينه وبين مجلس الثورة على نحو لم يجد منه بدا من التقدم باستقالته من المجلس على أثر صدور القرارات بحل الدستور وحل الأحزاب واعلان فترة الانتقال فى منتصف يناير سنة 1953 أعتراضاً على هذه القرارات وعلى مجمل السياسة التى اتجه اليها مجلس الثورة، وقد أصر على هذه الاستقالة رغم المحاولات التى بذلت لاثنائه عنها.

** تم ابعاده الى أسوان فى يناير سنة 1953 بعد استقالته، ثم الى سويسرا فى مارس 1953 بحجة العلاجثم الى لبنان فى يونية سنة 1953، وعندما طلب العودة الى الوطن ورفض المجلس عودته، عاد سرا ومعه زوجته وأولاده الى مصر وتوجه من المطار الى قريته (زاوية المصلوب) فى أغسطس سنة 1953، وأرسل برقية من هناك الى اللواء محمد نجيب يخطره فيها بعودته ويجدد استقالته من مجلس قيادة الثورة ومن الجيش، وقد تقرر عند ذلك تحديد اقامته فى قريته حيث ضرب حولها نطاق من قوات البوليس الحربى لعدة شهور، ثم سمح له بعد ذلك بالانتقال الى منزله بحلمية الزيتون فى أوائل العام الدراسى، حيث استمر تحديد اقامته تحت حراسة البوليس الحربى فى ذلك المنزل.

** رغم تحديد اقامته شارك فى أحداث مارس سنة 1954، معبراً عن تأييده للمطالب الشعبية للعودة الى طريق الديمقراطية وانهاء الحكم العسكرى، وعلى أثر هزيمة هبة مارس تم اعتقاله بسجن الاجانب أولا ثم نقل الى السجن الحربى، كما أعتقلت زوجته وعدد من أقاربه، وقد ظل فى السجن الحربى حتى مايو سنة 1955، ثم أفرج عنه مع استمرار تحديد اقامته بمنزله حتى سنة 1956.

** رغم كل ذلك فقد تقدم للمشاركة فى حركة المقاومة الشعبية المسلحة ضد العدوان الثلاثى الى أن أنتهى العدوان.

** أستمر بعد ذلك على مواقفه المبدئية الوطنية والديمقاطية والتقدمية، وظل يعبر عن هذه اامواقف بالوسائل المتاحة رغم بعده عن أى موقع أو منصب رسمى فقد كان يمن دائما بأن هناك تلازماً حتمياً بين الأهداف الوطنية والديمقراطية وبين التقدم على مختلف الجبهات الوطنية والقومية، وانه لا يوجد تعارض بين تلك الأهداف بل أنها أهداف متكاملة ومتشابكة.

** توفى الى رحمة الله فى 31 مارس سنة 1975 على أثر نضال طويل مع المرض لازمه لمدة ثلاث سنوات.

** المذكرات المقدمة حالياً للنشر هى المحررة بخط يده والموقعة منه وذلك فى أثناء مرضه الأخير وقبيل وفاته بقليل.
***

ذكريات عن دوره فى الثورة

تعرض عدد كبير من الكتاب والمؤرخين على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية والسياسية منذ فترة كبيرة للدور التاريخى الذى قام به والدى ليلة 23 يوليو سنة 1952، حتى أصبح هذا اليوم من كل عام مهرجانا كبيرا يكتب فيه عن البطل "يوسف صديق"، كما كتب عن دوره بعد انضمامه الى مجلس قيادة الثورة من أجل قضية الديمقراطية وهى أحد مبادئ الضباط الأحرار السته التى قامت الثورة من أجل تحقيقها، وعن أنه الوحيد الذى استقال من مجلس قيادة الثورة فى وقت مبكر عندما رأى انحراف هذا المجلس وبعده عن الخطة التى كان الثوار قد رسموها فى منشوراتهم قبل الثورة، حيث كانت صدمته الأولى اعدام العاملين "خميس والبقرى" رغم عدم الموافقة الجماعية للمجلس فقد عارض والدى ذلك مع خالد محيى الدين وجمال عبد الناصر، وعندما كان يذكرهم بما كان يكتب فى منشورات الضباط الأحرار قال بعضهم (أنسى المنشورات.. الظروف تغيرت..) وبدأت تتنافر وجهات النظر مع أعضاء القيادة حول أسلوب الحكم وصدور قوانين تنظيم الأحزاب ثم حلها والغاء الدستور واعادة الرقابة على الصحف واعتقال ضباط المدفعية ودخولهم السجن بملابسهم العسكرية، مما أدى الى تقديم استقالته مضحيا بوضعه فى مجلس قيادة الثورة وبوظيفته فى الجيش، وحتى بحريته الشخصية، وقبل راضيا أن يوضع فى السجن الحربى وأن يوضع معه أبناؤه وأقربائه وزوجته مفضلا ذلك على الاشتراك فى الحكم على حساب حرية وكرامة الشعب المصرى، وقد عبر عن ذلك فى قصيدته (استقبال الصديق) التى كتبها فى السجن الحربى بتاريخ 1955/1/15 عندما أتى الى الحياة حفيدة (يوسف صديق) ابن كاتبه هذه السطور فى 4 يناير سنه 1955 (تاريخ ميلاد والدى 3 يناير 1910) تعبر بعض أبيات هذه القصيدة عن هذا المعنى:
أن الرسالة فى أسمائنا لمعت
فحملتنا ثواب الهدى بالنور
ونحن نعلم أن السجن منزلنا
حتى تدك حصون الافك والزور
ونحن نعلم أن الموت موردنا
نلقاه فى الله فى بشر وتكبير

هذه المقدمة كان لابد منها لكى أدخل الى موضوع الحديث الذى أردت أن أتكلم فيه، وهو الثمن الذى دفعه والدى فى سبيل هذا الموقف من قضية الديمقراطية، وقد دفع فى سبيله أغلى ثمن، وليس وحده الذى دفع هذا الثمن، فقد دفعه جميع المناضلين والوطنيين فى هذا الوقت الذى مرت به مصر بأحداث جسيمة، والتى كانت مفترق طرق فى حياة الشعب، والتى حددت مصير الثورة ومصير مصر كلها لسنوات طويلة بعد ذلك بما جرى فى تلك الأحداث وسأحاول أن أتذكر تفاصيل المواقف التى حدثت لوالدى، وكنت شاهدة عليها ومصاحبة له فيها وهى كلها مواقف عصيبة لم يكتب عنها من قبل، فقد تعرض والدى لكثير من المحن ولاضطهاد والظلم لسنين طويلة.

مدينة العريش واجتماعات الضباط الأحرار

فى صيف سنة 1952 وقبل قياك الثورة بشهر أخذنى والدى مع اخوتى الى العريش لنقضى العطلة المدرسية، وكان يعيش فى منزل صغير بجوار محطة السكة الحديد وقريب من الشاطئ، وكنا فى أواخر شهر رمضان وجاء عيد الفطر ونحن فى العريش وكان والدى حريصا أن يأخذنا لزيارة "غزة" و "رفح" وأن نستمتع بشاطئ العريش الجميل بنخيله ورماله الصفراء النظيفة.
وفى أثناء هذه العطلة كان يتردد على منزلنا عدد كبير من صغار الضباط منهم عبد المجيد شديد ومحمد السقا ووحيد رمضان وعبد الخالق صبحى ومدبولى عبد العزيز (عرفت فيما بعد أنهم كانوا من الضباط الأحرار) فكانوا أحيانا يفطرون معنا أو يتسحرون وكان هذا شئ طبيعى بالنسبة لوالدى، فهو كان محبوباً جدا من ضباطه وجنوده أينما ذهب أو عمل، فلم أشك فى أن هناك شئ غير عادى يحدث بينهم، فقد كان والدى يقوم بعملية تمويه بأن ينظم كل ليلة مجموعة (فريق) يقوم بمبارة فى لعب (الكانستا) وهى لعبة كوتشينة تستغرق وقتا طويلا ويتكون كل فريق منها من 4 أفراد وتحت ستار هذه المباريات كان يتم اجتماع الضباط الأحرار بوالدى.
وفى يوم 13 يوليو سنة 1952 تحرك أبى الى القاهرة بمقدمة الكتيبة وركبت أسرته معه فى القطار المتجه من العريش الى القاهرة وأذكر ونحن فى القطار عندما مر ليعبر كوبرى الفردان الذى كان يربط شرق القنطرة بغربها كنت واخواتى محمد ومحمود وحسين ونعمت ننظر من الشبابيك ونرى الجنود الانجليز بوجوههم الحمراء وشورتاتهم وصدورهم العارية يجلسون على جافة قناة السويس ويستحمون فيها فكان اخوتى، وهم صغار، يهتفون بالانجليزية: "يو آر دوج".
وقبل مغادرة العريش بأيام ذات صباح كنت أتجول بالحوش الأمامى للمنزل فوجدت ورقة على الأرض يبدو أنها سقطت من أحدهم ولم يلحظها فأخذت الورقة، وقرأتها فأذا بها أحد (منشورات الضباط الأحرار) بها كلام خطير عن الملك وعن الجيش وعن ضرورة الاصلاح والتغيير من أجل الشعب، فأخذت المنشور وجريت الى والدى وأخبرته بما حدث فانزعج جدا وأخذه منى وطلب بحزم أن أنساه ولا أذكره لأى انسان، فعرفت أن هناك شئ خطير يقوم به هؤلاء الضباط مع والدى.
وبعد عودتنا الى القاهرة من العريش بعدة أيام "كان والدى متعودا أن ينام بعد الغذاء وكانت تعليماته مشددة ألا يزعجه أحد أثناء النوم، وكان لا يجرؤ أى فرد من الأسرة أن يقترب من غرفته" فى هذا اليوم دق جرب باب منزلنا بحلمية الزيتون، وفتحت لأجد رجلا فارع القامة أسمر اللون يرتدى بنطلونا رماديا وقميصا أبيض ويقف على سلم الفيلا ويسأل عن والدى (كان هذا الرجل هو جمال عبد الناصر) فترددت أن أذهب لأوقظ والدى لأننى أعرف رد فعله العنيف ولكنى تسللت فى حذر وهدؤ شديد ودخلت الغرفة وكان يبدو أن والدى يشعر بى وقلت وأنا واقفه على باب الغرفة، بعيدا عن سريره (واحد اسمه جمال عاوزك فى الخارج) وبدل أن ينهرنى والدى وجدته يقفز من السرير بسرعة وارتدى ملابسه وخرج مهرولا، حتى اننى عجبت كيف أنه لم يعاقبنى على ايقاظه، وفى يوم 20 يوليو زاره فى منزلنا بحلمية الزيتون جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر حيث وجدوه غارقا فى النزيف، حيث أخذ يرجع من فمه دماء كثيرة وكنا نضع له الأوعيه لكى يرجع فيها الدماء، حيث أبلغوه أنه تقرر القيام بالعمل فى ليلة 23/22 يوليو بصفة نهائية، وعلمت بعد ذلك من والدى أن الصديقان عندما وجداه على هذا الحال رأيا الغاء دوره كلية واعفائه من العمل فى هذه الليلة التى أنتظرها طويلا، ولكنه أقنعهما بأنه يمكنه القيام بالدور المرسوم له بدون أى تعرض للخطر، حيث أن هذا الدور المرسوم كان عبارة عن أنه يحضر بقوته الصغيرة المكونه من 60 جنديا ولا يزيد تسليحها عن البندقية وأن يصحب معه 40 لورى ويحضر هذه القوة الصغيرة الى رئاسة الجيش (بعد احتلالها) واذا استدعت الحالة فان المستشفى العسكرى العام بكوبرى القبة سيكون على بعد خطوات من القيادة العامة.
وفى ليلة 23 يوليو حضر أبى الى منزلنا فى حلمية الزيتون وعلمت منه أنه فى طريقه الينا كان معه الأستاذ محمود توفيق ابن خاله (الذى تزوجنى بعد ذلك) وأخذه الى الدكتور عبد العزيز الشال بشبرا حيث أعطاه حقنه لوقف النزيف الذى كان يخشى أن يعاوده ليلا لأنه سيقضى الليل فى المعسكر وأنه جاء ليسلم علينا ويعطى والدتى بعض النقود ويسألها أن كانت تحتاج لشئ وكان والدى دائما يتفاءل بها قبل قيامه بأى شئ، ولاحظت والدتى أنه كان فى حالة انفعال شديد وفى عينيه بريق غريب وشعره مهوش والبوشيرت الرسمى مفتوح الصدر فقالت له "مالك يا يوسف عامل كده" ماتكونش رايح تفتح (عكا) وكان قد نزل من سلم التراس فاستدار رجاعا اليها وسألها باستغراب (لأنها لا تعرف شيئا عن موضوع الأنقلاب) ماذا قلت؟ فأعادت ما قالته فرد عليها قائلا نعم سأفتحها وانصرف، وفى صباح اليوم التالى أرسلت حرم محمد نجيب تطلب والدتى للزيارة وكانت صديقتها وجارتها، فلما ذهبت والدتى اليها سألتها عن والدى فقالت لها أنه فى المعسكر، فأخبرتها بأمر الانقلاب العسكرى والبيان الذى أذيع فى الراديو ولم تكن والدتى تعرف عنه شئ فعادت مسرعة الى المنزل وأخذنا فى الاستماع الى البيان والى أخبار الانقلاب.

الابعاد الى أسوان

فى أوائل سنة 1953 كنت متزوجة حديثا من الأستاذ محمود توفيق ابن خال والدى، وكنا نعيش فى بداية حياتنا فى منزل والده بقريتنا (زاوية المصلوب) بالواسطى، حيث كان يعمل زوجى محاميا، وكنت فى شهور حملى الأولى، جاء أبى لزيارتنا وقضاء عدة أيام معنا بعد خلافه مع زملائه بمجلس قيادة الثورة، وبعد أيام جاء الى منزلنا بعض ضباط الصف الثانى لمقابلة والدى أذكر منهم عبد المجيد شديد والسقا ووحيد رمضان وآخرين، جاءوا لمقابلة والدى والاجتماع به لمحاولة تخفيف حده الخلاف بينه وبين زملائه وتم الاتفاق على أن يسافر أبى الى أسوان لفترة قصيرة فى محاولة لتهدئة النفوس، وكان زوجى طوال اليوم يقوم على ضيافتهم واستقبالهم واكرام وفادتهم وحسن وداعهم عند الانصراف.
وسافر والدى الى أسوان، وفى فجر اليوم التالى حضر رجال البوليس الى منزلنا حيث تم القبض على زوجى وارساله الى معتقل جبل الطور وعرفت فى نفس اليوم أنه قد تم القبض على عدد من شباب العائلة.
سافرت الى أسوان لأكون مع والدى الى أن يتم البت فى أمر زوجى، فوجدته يعيش فى أحد الاستراحات الحكومية ويرافقه ضابطين هما محمد السقا ووحيد رمضان وكنت أعرفهما جيداً حيث كانا يأتيان كثيراً لزيارة والدى بمنزلنا بالعريش قبل قيام الثورة بشهر، وبالطبع علم والدى بقصة القبض على زوجى وعلى أقربائه، وفهم أت هذا الاجراء يمثل نوعا من الضغط عليه لكى يتراجع عن موقفه.
وفى هذه الفترة التى قضيتها مع والدى فى أسوان، صدر عدد من مجلة المصور فى فبراير سنة 1953 وبه هدية عبارة عن صورة أعضاء مجلس قيادة الثورة هم: الرئيس اللواء/ محمد نجيب - بكباشى جمال عبد الناصر - بكباشى أنور السادات - بكباشى حسين الشافعى - بكباشى يوسف صديق - بكباشى عبد المنعم أمين - بكباشى زكريا محيى الدين - صاغ صلاح سالم - صاغ عبد الحكيم عامر - صاغ خالد محيى الدين - صاغ كمال الدين حسين - قائد جناح عبد اللطيف البغدادى -  قائد جناح جمال سالم - قائد أسراب حسن ابراهيم . ولكن الهدية الموجودة داخل العدد أمر جمال عبد الناصر بمصادرتها وفعلا تم جمعها من داخل العدد، ولكنى حصلت عليها وهى تحت يدى للآن، حيث علمت بعد ذلك بسنوات فى حديث للكاتب "حلمى سلام" فى مجلة صباح الخير العدد 1492 يوم 9 أغسطس سنة 1984 قال فيه "أذكر أننى بعد فترة قصيرة من قيام الثورة، أقنعت جمال عبد الناصر أن يقوم مصور دار الهلال بالتقاط صورة جماعية لأعضاء مجلس قيادة الثورة ونقوم بتوزيعها بمثابة هدية مع مجلة المصور ووافق جمال عبد الناصر على الاقتراح ورحب به أصحاب دار الهلال، وتم تصوير أعضاء مجلس قيادة الثورة، وأعدت الصورة الهدية، وذات مساء، قبل نزول المصور الى الشارع بيوم واحد، اتصل بى جمال قائلا: يا حلمى ألغى فكرة الصورة الهدية، فقلت بدهشة: لكن أحنا طبعناها فعلا وجاهزة للتوزيع مع المصور غداً، فرد بحدة: لا الغى الهدية وتعال حالا عندى هنا، وذهبت فى الحال الى جمال عبد الناصر وشرح لى الأسباب التى دفعته الى الغاء الصورة الجماعية قائلا: ماتتضايقش يا حلمى لأن فيه اثنين من الذين يظهرون فى هذه الصورة وسيراهم الناس غدا سوف يختفون بعد فترة وأنا لا أريد الناس أن ترانا اليوم وبعد فترة يجدونا وقد نقصنا اثنين، وسألته عن الأسمين فقال: يوسف صديق وعبد المنعم أمين.
ومن هنا نرى النية كانت مبيته للتخلص من والدى رغم أن الاتصال به كان مستمرا فى أسوان فى محاولة أو للتظاهر بأن هناك جهودا تبذل لتقارب وجهات النظر.
بعد عودتنا من أسوان والأفراج عن زوجى كان رفاق والدى من مجلس قيادة الثورة يحضرون الى منزل والدتى بحلمية الزيتون لمقابلته ومواصلة المناقشات حول الموقف السياسى وكان صلاح سالم يتناقش بعصبية قائلا "ايه يعنى لما نعدم مليوم شخص فى سبيل نجاح المسيرة وحتى لا تنتكس ثورتنا كما انتكست ثورة 1919".
فقال له أبى لم نقم بالثورة من أجل اعدام المصريين والتنكيل بهم وليست هذه مبادئى التى قمت من أجلها ليلة 23 يوليو سنة 1952، وعلى العموم شد حيلك يا صلاح المهم أن أبى وجد المناقشات تدخل فى طريق مسدود، ثم تم الاتفاق على سفره الى سويسرا للعلاج ولم يعلم أنما هو ابعاد عن وطنه، وجاء جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ومعهم وحيد رمضان ومحمد السقا ومحمود الجيار لوداعه قبل سفره فكانت الصورة "على سلم الفيلا بحلمية الزيتون" وكانوا جميعا بالملابس العسكرية وهو بينهم بالملابس المدنية (مارس سنة 1953).
بعد قبول استقالته من مجلس قيادة الثورة سافر والدى الى سويسرا فى مارس سنة 1953 وبعد 3 شهور طلب العودة الى وطنه ولكنهم رفضوا فسافر الى لبنان فى شهر يونيه سنه 1953 وقد وصف فى قصيدته (من الجنه) احساسه المرير بالمنفى والابعاد والغربة خارج البلاد بعد قيامه بالعمل البطولى فى ليلة 23 يوليو سنة 1952، حتى وصف نفسه بالشهيد الذى دخل الجنه، وطلب العودة مرة أخرى من لبنان فرفضوا وأرسلوا له وزجته السيدة/ عليه توفيق وطفليها حسين ونعمت، ولكنه عاد سرا وفجاءة فى أغسطس سنة 1953 حيث جاء الى بلده (زاوية المصلوب) وأرسل برقية الى الرئيس محمد نجيب قال له فيها (أنا وصلت مصر) حيث قرر المجلس تحديد اقامته فى بلدته حيث حوصر المنزل بعدد كبير من الجنود والمخبرين، ثم سافر الى القاهرة فى أوائل العام الدراسى مع استمرار تحديد اقامته بالمنزل.

أزمة مارس سنة 1954

رغم تحديد اقامة والدى الا أنه فى خلال أزمة مارس سنة 1954ىقام بكتابة خطاب سلمه بنفسه للرئيس اللواء محمد نجيب ونشرت جريدة "المصرى" نصه اقترح فيه قيام وزارة ائتلافية من الوفد والاخوان والاشتراكيون والشيوعيين برئاسة الدكتور وحيد رأفت، تحدث فيها صراحة عن ضرورة تخلى الجيش عن السلطة ونقلها الى الشعب من خلال اجراءات ديمقراطية، فقد تمسك منذ البداية بالديمقراطية نظاما لحكم البلاد فى هذه الفترة آخبرنى أبى أنه يريد مقابلة الصحفى "أمين عبد المؤمن" ليعمل معه حديثا فى جريدة المصرى، وكنت أعرف هذا الصحفى حيث كان يتردد على منزل والدى بثكنات العباسية فى بداية الثورة، والمشكلة أن والدى لا يستطيع الخروج من المنزل لأن اقامته محدده بالمنزل الذى يوضع عليه حراسة 2 مخبرين فرسم لى أبى الخطة للقيام بهذا العمل وقد نفذت هذه الخطة بنجاح، ذهبت فى الموعد المحدد لمقابلة الصحفى "أمين عبد المؤمن" الذى كان منتظرا ظهرا أمام "حلمية بالاس" وهو الملهى الذى كان يسهر فيه الملك فاروق قبل الثورة وكان مكانه المفضل للسكر والعربدة وكان هذا الملهى قريبا من منزلنا فى حلمية الزيتون قابلت الصحفى وطلبت منه أن يتبعتى لأننى سأدخله الفيلا بطريقة سرية حتى لا يراه الحرس الواقف أمام فيلا، وكان بحديقة الفيلا الخلفية مكان مفتوح بين الأشجار يسمح بمرور فرد واحد بشرط أن يكون مثنى القامة، تطل هذه الفتحة على ممر بين فيلتين خلفيتين ويقود الى الشارع الرئيسى، دخلت من الفتحة التى بين الاشجار بسهولة لأننى صغيرة وجسمى رفيع وتبعنى الصحفى بصعوبة حيث أنه كان بدين الجسم ولكنه استطاع الدخول الى داخل الحديقة الخلفية ثم الى داخل المنزل من الخلف، وكان لقاءه بالوالد والحديث الذى نشر بعد ذلك فى جريدة "المصرى".

البوليس الحربى يحاصر الفيلا

بعد نشر مقالات الوالد وأحاديثة فى جريدة "المصرى" وبعد أن عبر عن أرائه الشجاعة وتمسكه الشديد بقضية الديمقراطية حدث الآتى:
حضرت مع زوجى وابنتى الرضيعة ليلى الى القاهرة لزيارة أسرتى حيث تركنا الطفلة معهم وذهبت مع زوجى الى سينما مترو لمشاهدة فيلم ذهب مع الريح، وعند عودتنا رأينا مشهداً مفزعاً، حيث وجدنا الفيلا التى تملكها والدتى السيدة/ توحيدة صبرى بحلمية الزيتون محاصرة من الخارج بعدد كبير جدا من جنود البوليس الحربى المسلحين ببنادق (برته) سريعة الطلقات وداخل الحديقة عدد كبير منهم وأمام الفيلا كانت توجد قطعة أرض فضاء شيد فيها الجنود خمية كبيرة بها عدد كبير آخر من نفس الجنود وتحولت الفيلا الى ثكنة عسكرية مسلحة وكأن الحرب قد قامت، وحاول رئيسهم منعى من الدخول فأخبرته أننى ابنة يوسف صديق فأخبرنا أنه قد تم تحديد أقامته بالمنزل وأنه ممنوع الدخول أو الخروج منه فطلب منى زوجى الدخول ومضى هو راجعا حتى لا تحدد اقامته بالتالى:
وجدت والدى فى حالة عصبية شديدة من هذا الاجراء الفاشستى العنيف الذى أن دل على شئ انما يدل على ترسيخ الحكم الفردى الدكتاتورى الذى ستراه البلاد قريبا على يد هؤلاء الأحرار الذين عزلوا الملك الفاسد وجاءوا ليخلصوا مصر وشعبها من الطغاه والظالمين، خاصة وأننا علمنا أن الفيلا التى كان يسكنها الرئيس محمد نجيب والتى كان شارع طومنباى يفصلها عن فيلتنا، قد ثم تغيير الحراسة حولها بحراسة أخرى تنتمى الى التيار المعادى للرئيس محمد نجيب مما جعل والدى يوصف رسالته اليه بأنها رسالة من "الحر المعتقل الى المعتقل الحر"، وفى هذه الفترة حدث أن مرضت ابنتى الرضيعة فخرجت لأشترى لها دواء من الصيدلية المجاورة وتسللت خارجة حتى لا يشعر أبى بأى احتكاك محتمل من الحرس، فتصدى لى رئيس الحرس قائلا ممنوع يافندم الخروج بهدوء ان ابنتى الرضيعة مريضة وانى ذاهبة لاحضر لها الدواء فقال اذ خرجت لن أسمح لك بالدخول هذه هى الأوامر فقلت بانفعال "سأرجع بالدواء وسأرى كيف ستمنعنى من الدخول"، وفعلا أحضرت الدواء ولم يحتك بى.
وفى هذه الفترة أيضا فى مساء أحد الأيام جاءتنا مكالمة تليفونية من مجهول يخبرنا أن هناك مؤامرة ستتم لاغتيال كل من محمد نجيب ويوسف صديق، فما كان من والدى الا أن يقوم ويرتدى ملابسه الكاملة ويجلس فى التراس، ينتظر تنفيذ الاغتيال وشبه ذلك برجال الملك من الحرس الحديدى الذين كانوا يغتالون الوطنين مثل "عبد القادر طه" قبل الثورة، وكانت ليلة من أسود أيام حياتنا، جلسنا كلنا حوله فى التراس، تتوقف قلوبنا عند سماع صوت سيارة يقترب من الفيلا الى أن طلع النهار ونحن فى أسوأ حال، وفى أثناء الليل حاولت والدتى الاتصال بزوجة الرئيس محمد نجيب وكانت صديقتها محاولة أن تلقى الضوء على هذا الحدث ولكنها أخبرتها أن الرئيس ذهب الى مطار القاهرة لتوديع الملك سعود الذى كان فى زيارة لمصر.

القبض على والدى

وفى أبريل سنة 1954 قام الرفاق باصدار الأوامر للقبض على والدى، وأرسلوا له أحد تلاميذه ظنا منهم بأن هذا يحط من قدرة ليقوم بعملية القبض عليه فما كان من هذا الضابط الا أن يقوم بالتحية العسكرية وأن يحمل لوالدى الحقيبة التى بها ملابسه ويوصله الى سجن الأجانب، حيث قمت بزيارته فى اليوم التالى مع شقيقى محمد وأخبرنا أن بالسجن عدد كبير جدا من رجال السياسة والفكر والصحافة، ثم نقل بعد ذلك الى السجن الحربى حيث وجد الأميرالاى أحمد شوقى وعدد من ضباط الاخوان المسلمين مثل عبد المنعم عبد الرءوف ومعروف الحضرى وأبو المكارم عبد الحى وحسين حموده وكانت الفوضى متمثلة فى اعتقال الاخوان الى الحد الذى كانت ادارة السجن توزع على المعتقلين أوراقا لتسجيل أسمائهم وتاريخ حضورهم، وقد أمضى والدى سنة وشهر فى السجن الحربى، وفى هذه الفترة عاصر التعذيب الشديد الذى وقع على قيادات الاخوان المسلمين وأعضاء جماعتهم، وكنت أزوره كل أسبوع فكان يقص علينا ما يحدث من أشبع أنواع التنكيل ما فاق كل تصور وما لا يتصوره عقل، وفى احدى هذه الزيارات لوالدى بالسجن الحربى بعد أن اعترف أعضاء الجهاز السرى بأسماء زملائهم وبالتنظيم كاملا وتم القبض على جميع الأعضاء وكان الناس يلومون القيادة لهذا الاعتراف، قال أبى أنه رأى بنفسه العذاب الشديد الذى وقع على هؤلاء القادة من الجلد الذى كان يتطاير فيه لحمهم الى اطلاق الكلاب التى تنهشهم الى سحلهم بالخيل، ولم ينطقوا بحرف واحد ولم يعترفوا الى أن جاءوا بزوجة (هنداوى دوير) وكان شابا صغيرا وكانت زوجته ببلدتها لتضع مولودها فأتوا بها الى السجن الحربى وخلعوا ملابسها أمامه ووضعوها على الروسة وقاولا له أنهم سيفعلون معها ما فعلوه به، فطلب منهم أم يرجعوها الى بلدتها وقام بالاعتراف الكامل على النحو المعروف بعد ذلك، وفى آخر كل زيارة لأبى فى السجن الحربى كان يعطينا كيسا كبيرا به عدد كبير من الخطابات التى كتبها المعتقلون الى ذويهم لكى أرسلها عن طريق البريد حتى يعرفوا مكان الاعتقال، وطبعا هذا يوضح الناحية الانسانية التى يقوم بها والدى من خدمة هؤلاء المعتقلين رغم اختلاف رأيه ومبادئه مع هذه الجماعة، ولأنه الوحيد الذى كان معه جهاز (راديو) فى السجن، فقد كان يسمع الأخبار ويقوم بتحرير جريدة من صفحة واحدة وينسخ منها 4 نسخ على يده ويوزعها على العنابر الأربعة الموجودة بالسجن وبهذه الجريدة موجز لأهم الأنباء وكان أهمها فى ذلك الوقت الأحكام التى كانت تصدر من المحاكم العسكرية باعدام عدد كبير من الاخوان والتى كانت تخفف الى الأشغال الشاقة المؤبدة، وكان يسمع تهليلهم فرحين صارخين عندما تصلهم الجريدة بأخبار الأشغال الشاقة المؤبدة، ويعلق ضاحكاً "ولاد الكلب فرحانين بالتأبيدة".
وقد عبر والدى عن هذه المرحلة الرهيبة بالسجن الحربى بثلاث قصائد الأولى "فرعون" هاجم فيها عبد الناصر ووصفه بفرعون وبأنه دعى لبس المسوح وضلل الشعب وقتل الشباب وخان العهود هذه القصيدة هى أعنف ما كتبه فى السجن وفيها أعلن غضبه على الدكتاتورية، والقصيدة الثانية (المجد الزائل) يسخر فيها من عبد الناصر لاعتقاله النساء ويتوقع له زوال المجد الذى بناه على أشلاء المظلومين، والقصيدة الثالثة (استقبال الصديق) حيث أنجبت ولدى يوم 4 يناير سنة 1955، وكان والدى معتقل بالسجن الحربى وكان زوجى فى سجن القناطر ينتظر محاكمته عسكريا لدى محكمة "الدجوى الشهيرة" فرأيت أن أسمى ابنى "يوسف صديق" حيث أن تاريخ ميلاد والدى 3 يناير سنة 1910، وأخذت وليدى الى سجن القناطر ليراه والده ثم أخذته الى السجن الحربى ليراه جده، فكانت هذه القصيدة التى تصور الى أى مدى كانت حالته النفسية فيقول:
أقبلت تسعى من الظلماء للنور
فأسلمتك دياجير لديجور
أشرق بنورك فالأيام حالكة
من هول ما اقترفت فيناق من الجور

القبض على والدتى: السيدة/ توحيدة صبرى

بعد القبض على والدى وايداعه سجن الأجانب فوجئنا فى فجر أحد الأيام بحضور عدد كبير من رجال الداخلية (وكان زكريا محيى الدين وزيراً للداخلية فى هذا الوقت) حضروا الى منزلنا وانتشروا فى جميع غرف المنزل وفى الحديقة التى تحيط الفيلا من كل جانب للتفتيش، واذا بأحدهم يخرج من غرفة كانت مخصصة للخادمة ومعه عدد كبير من منشورات الحزب الشيوعى (الراية) وقال للرئيس "وجدت هذه المنشورات يافندم فى شنطة حديد بالغرفة، وأذكر أننى أخذتها منه لأعرف ما هى وكانت ساخنة (طازة) بتاريخ نفس اليوم فقلت للخادمة أمامهم "من أمتى انتى زعيمة كبيرة واحنا مش مقدرينك" طبعا الخادمة صغيرة وأمية لا تعرف القراءة والكتابة، عند هذا طلب رئيسهم من والدتى أن تتوجه معهم الى وزارة الداخلية للتحقيق معها فى أمر المنشورات، ولما كانت والدتى من أسرة محافظة وليس لها أى علاقة بالسياسة وتعيش فى حزن على زوجها المعتقل بالسجن الحربى وزوج ابنتها (زوجى) المحبوس فى سجن القناطر وأن المنزل الذى غزاه رجال الداخلية فجراً ليس به سواها وأبنائها (سهير كاتبة هذه السطور وعمرها 17 سنة وطفلتها الرضيعة ليلى ومحمد 16 سنة ومحمود 14 سنة وأحمد 12 سنة والخادمة صاحبة المنشورات وسنها 18 سنة، فما كان من والدتى أن طلبت أن تتصل بالرئيس محمد نجيب أو بوزير الداخلية زكريا محيى الدين لتسأله ان كان من اللائق أن تخرج من منزلها فى هذا الوقت الغريب مع هذا العدد الكبير من رجال الداخلية أو أن تأخذ معها ابنها محمد ليعرف ماذا سيحدث لها ولكن الرجال القادمين لتنفيذ المهمة المحددة وهى تلفيق تهمة خطيرة لزوجة الرجل السجين والذى كان له الفضل فى جلوسهم على كرسى الحكم، رفضوا أى مطلب لها واقتادوها الى وزارة الداخلية وهناك اكتشفت أن المقصود بتلفيق هذه التهمة لها هى زوجته الثانية/ عليه توفيق، فقد أعاد والدتى الضباط محمد السقا الى المنزل وبنفس المنشورات التى خرجت من شنطة الخادمة ذهبوا الى منزل الزوجة الثانية حيث تم القبض عليها وعلى خدم المنزل وتركوا ابنيها حسين ونعمت وهم أطفال صغار بمفردهم بالمنزل الى أن أتت خالتهم وأخذتهم الى منزلها.
وفى نفس الوقت قمت بزيارة والدى بسجن الأجانب وحكيت له ما حدث بالتفصيل حتى يكون فى الصورة..

المقاومة الشعبية سنة 1956

فى مايو سنة 1955 أفرج عن والدى من السجن الحربى حيث تقرر تحديد اقامته فى منزلنا بحلمية الزيتون الى أن أفرج عن زوجته السيدة/ عليه توفيق فانتقل ليعيش معها ومع أولادها حسين ونعمت فى عزبة النخل مع استمرار تحديد اقامته الى أن وقع العدوان الثلاثى سنة 1956 فقاد والدى المقاومة الشعبية بمنطقة عزبة النخل، وبعدها رفعت الحراسة عنه، ورغم تأييد والدى لقرارات جمال عبد الناصر الوطنية بارسال برقيات تأييد أو حتى كتابة قصائد شعر تنشر فى الصحف والمجلات، الا أنه لم يسمح له أن يعمل فى أى مجال من المجالات حتى الأدبية أو المدنية فقد كان يرغب فى العمل كمدير لدار الكتب المصرية أو يرشح نفسه فى مجلس الأمة عن محافظة بنى سويف ال أن جميع طلباته قوبلت بالرفض، وكان من المؤلم له نفسياً أن يرى اختفالات عيد ثورة يوليو تمر كل عام ويحضرها جميع الناس من عسكريين ومدنيين، وللأسف لم يدع ولا مرة واحدة للاحتفال بهذا العيد الذى يعيد الى أذهانه تفاصيل الدور العنيف الذى قام به فى هذا اليوم التاريخى والاقتحام الشجاع الذى قضى على الملكية الفاسدة فى البلاد والذى غير مسار التاريخ لتصبح أول جمهورية مصرية..

مصر تشيع جنازة يوسف صديق

المرض والوفاة فى 31 مارس سنة 1975
مصر تشيع جنازة يوسف صديق

فى صيف عام 1970 أمر الرئيس جمال عبد الناصر بسفر والدى الى الاتحاد السوفييتى للعلاج وكان يعانى من مرض السكر وارتفاع ولغط فى القلب.
وفى أثناء فترة العلاج وفى يوم 28 سبتمبر سنة 1970 توفى الرئيس جمال عبد الناصر وتولى الرئيس أنور السادات الحكم فى البلاد، فأرسل والدى من موسكو برقية عزاء للرئيس السادات وفى نفس الوقت تأييد له فى الرئاسة كما كتب قصيدة رثاء فى جمال عبد الناصر بعنوان "دمعة على البطل" نشرت فى ذكرى الأربيعين للرئيس جمال عبد الناصر.
وأبتداء من هذا الوقت أخذ المرض الذى عانى منه طيلة حياته يعاوده وظل يقاوم المرض والألم خمس سنوات، وأجريت له عملية استئصال للرئة اليسرى فى لندن لاصابته بسرطان الرئة، حتى سقط يوم 31 مارس سنة 1975 بعد نقله من منزله بالمهندسين الى مستشفى القوات المسلحة بالمعادى حيث رافقناه أنا وشقيقى حسين ومحمد وزوجته السيدة/ دولت الشافعى وطفلتيها ليلى وسحر وكان والدى فى حالة غيبوبة.
وفى فترة مرضه الأخيرة زاره بمنزله عدد من رفاقه منهم السيد/ حسين الشافعى وكان نائباً لرئيس الجمهورية ومن الضباط الأحرار السادة/ عبد المجيد شديد ووحيد رمضان وأحمد حمروش.
فى هذه الأثناء قمت بزيارة الأستاذ/ عبد الرحمن الشرقاوى فى مكتبة "بروز اليوسف"، وشرحت له ظروف مرض والدى والتى شعرت أنها النهاية وطلبت منه أن يقوم عدد من الكتاب بالتمهيد لهذه النهاية بالصورة التى يستحقها هذا البطل الذى لا يعرفه الكثيرون وحتى يعاد للأذهان سيرة هذا الرجل والتذكير بدوره البطولى فى ليلة 23 يوليو سنة 1952 ونضاله قبل الثورة وبعدها.
وقد قوبل طلبى بالترحاب من كل المخلصين وعلى رأسهم الأستاذ/ أحمد حمروش الذى زار والدى بمنزله وكان على فراش المرض، ولما دخل عليه غرفة نومه "أدى له التحية العسكرية" قائلاً ومبتسماً: "لسه فاكرين العسكرية".
وقد كتب مقاله فى مجلة روز اليوسف العدد 2436 بتاريخ 17 فبراير سنة 1975 بعنوان "صفحة من يوليو على فراش المرض" واستعرض فيها قصة هذا الرجل وبدأها بالتعريف:
   الأسم: يوسف صديق
   المهنة:  بطل
واستعرض فى هذا الموضوع لمحات من حياته ونضاله وأشعاره ومواقفه الشجاعة وجسارته على طول مراحل حياته، وفى عدد "روز اليوسف" 3440 بتاريخ 24 مارس سنة 1975 كتب الأستاذ/ أحمد حمروش مقالة أخرى بعنوان "يوسف المفترى عليه" كما قدمت المجلة نداء بأسم "يوسف البطل" تدعو فيه محبيه بالدعاء للبطل الذى يرقد على فراش المرض وأن يرد عليه صحته: كتبت:
" أن هذا الرجل الذى وضع رأسه على كفه ليلة 23 يوليو، ثم لم يطلب ثمناً، ولا منصباً، ولا ثورة، ولم يسمح لمطمع شخصى بأن يجرفه عن طريق الثورة، هذا الرجل جدير بأن تحيط به، فى محنه مرضه، عواطف كل الذين أحيتهم ثورة يوليو من عدم، وحولتهم من عبيد الى أحرار، ومن رعايا الى مواطنين، وأى الرجال أجدر بالحب والدعوات والأمنيات الطيبة من رجل كل ثروته فى الحياة أنه أدى واجبه؟.
اتصل بى السيد/ عبد المجيد شديد معلناً أن الدولة تعتبر الوالد رجلها وأنها ستقوم بكل الأجراءات اللازمة فى موضوع الوفاة، وطلب منى أن أرسل له صورة للوالد والنعى الذى سيكتب فى الجرنال فشكرته وفعلت ما طلبه منى، وعند اعلان المستشفى بوفاة الوالد، ذهبت أنا وشقيقى المحاسب محمد والنقيب شرطة حسين الى مكتب السيد/ عبد المجيد شديد باللجنة التنفيذية على كورنيش النيل، وهناك وجدت ضباطه فى حالة بكاء شديد (محمد السقا، وحيد رمضان، عبد المجيد شديد) وقابلت السيد/ خالد محيى الدين الذى أخبرنى أن السيد حسين الشافعى بمكتبه وتحت الخدمة، فشكرتهم جميعا أنا واخوتى على شعورهم وسألنا السيد/ عبد المجيد شديد الذى كان يضع صورة والدى أمامه ومعها النعى الذى كتبه زوجى فى سجن أبو زعبل، فسألناه عن الاجراءات التى ستتخذ، فلما أخبرنا أنه قد تم الاتفاق على أن ينشر النعى مع الصورة فى جريدة الأهرام، وسيقام سرادق أمام مسجد عمر مكرم وستقام ثلاثة أيام للعزاء بمنزل الأسرة، فقلت له أن هذه الأجراءات عادية وتحدث لأى شخص وان العائلة تستطيع أن تقوم بها كاملة دون أى عناء، وحددت له مطالبى على النحو التالى:
 1- يشيع جثمان والدى فى جنازة عسكرية.
 2- ينشر فى جميع الجرائد نبذة عن حياة والدى ليتذكر الناس من هو (يوسف صديق).
 3- ينشر النعى فى جميع الجرائد.
 4- يصور التليفزيون الجنازة وتذاع فى نشرة الأخبار.
 5- يحضر زوجى تشييع الجنازة ويتلقى العزاء مع أفراد الأسرة (كان زوجى فى سجن أبو زعبل تحت التحقيق فى احدى القضايا الشيوعية).

وهذه كانت مطالبى التى عرضتها على السيد/ عبد المجيد شديد فقال لى أنه لا يستطيع أن يلبى هذه الطلبات الا بعد الاستئذان من الرئيس أنور السادات فسألته أين هو قال فى القناطر فطلبت منه أن يبلغه بهذه الطلبات وفعلا قام واتصل أمامى بمكتب الرئيس وبعد فترة عاد قائلاً بالنص "أمر الرئيس بأن تجاب كل طلبات أبناء يوسف صديق فوراً" وكان هذا موقفاً كريماً من الرئيس السادات، وفعلا فى صباح 1975/4/1 شيعت جنازة الوالد عسكريا وقد حمل الجثمان على عربة مدفع تجرها الخيول ولف النعش بعلم الثورة، حيث سارت الجنازة من مسجد عمر مكرم بميدان التحرير الى جامع شركس، واشتركت فى تشييع الجنازة وحدات رمزية من طلبة الكليات والمعاهد العسكرية وموسيقى القوات المسلحة وحاملوا أكاليل الزهور من جنود القوات المسلحة، كما اشترك فى تشييع الجنازة نائباً عن الرئيس أنور السادات الفريق محمد سعيد الماحى، والسيد حسين الشافعى نائب رئيس الجمهورية، والرئيس محمد نجيب ومن أعضاء مجلس الثورة، كمال الدين حسين وحسن ابراهيم وعبد المنعم أمين وعبد اللطيف البغدادى وخالد محيى الدين والسادة رؤساء مجلسى الشعب والوزراء وعدد من الوزراء والضباط الأحرار، كما حضر الجنازة "زوجى الأستاذ محمود توفيق" من محبسه برفقة رجال الشرطة حيث تلقى العزاء مع أفراد الأسرة، حضر تشييع الجنازة الآلاف من أبناء الشعب الذين اصطفوا على جانبى طريق الجنازة وفى ميدان التحرير وميدان طلعت حرب وحتى جامع شركس حيث تم نقل الجثمان الى مدافن الأسرة بالبساتين حيث أطلقت المدفعية 21 طلقة تحية للبطل وعزف البروجى "نوبة رجوع" وهو لحن جنائزى.
- وكان للكلمات والمقالات التى كتبت بعد وفاة والدى والسيل المتدفق من كلمات الرثاء من الرفاق والمخلصين والتى نشرت فى الصحف والمجلات، العزاء لأسرتنا مما ألهمنا بعض الصبر والسلوان فى مصابنا الأليم وأن الفارس المقدام والثائر الحر لم يمت وأنه لم يزل وسيظل حياً فى قلوب الناس.

ومن المقالات الرائعة الكثيرة التى كتبت بعد وفاة والدى:
- من ليلة الثورة الى ليلة الرحيل، بقلم خالد محيى الدين "روز اليوسف".
- حب المقاتل لوطنه، بقلم فتحى خليل، "روز اليوسف".
- رحلة يوسف صديق، "روز اليوسف".
- أخيراً هدأ السائر "يوسف صديق"، جريدة الجمهورية، عبد المنعم الصاوى.
- مصر تحتضن أولادها، بقلم أحمد زكى عبد الحليم، "حواء".
- شخصية هذا الرجل بقلم أحمد حمروش، "الجمهورية".
- عبد الناصر وخالد ويوسف صديق يروون أحداث ليلة 23 يوليو، بقلم: ابراهيم طلعت الوفدى، "روز اليوسف".
- يا من تحبون الثورة، اذكروا يوسف صديق، بقلم غالى شكرى.
- مذكرات لم تنشر ليوسف صديق بقلم يوسف صبرى، "روز اليوسف".
- هذا الرجل من مصر، بقلم لمعى المطيعى.
- فكرة مصطفى أمين، "الأخبار".
- يوسف صديق بطلا ديمقراطياً، سعد كامل، "الأخبار".
- موسوعة التاريخ الاسلامى والخضارة الاسلامية، الدكتور أحمد شلبى.
- "أخر كلمات محمد نجيب".
- وداعاً أيها الرفيق، بقلم ابراهيم عبد الحليم، "دراسات اشتراكية".
- يوسف صديق فارساً مصرياً أصيلاً، "الطليعة".

والأبيات التالية فى رثاء والدى كتبها الشاعر كمال عبد الحليم وقد قمت أنا وشقيقتى نعمت بكتابتها على رخامة فى مدفن الوالد.
ها هنا يرقد من أنقظنــــــا
وافتـدى مصر بصدر ينزف
ها هنا فارسنا شاعرنــــــــا
رافع الرايــــات حمرا يوسف
فالى يـــــوم حساب صادق
سيظل الشعب عينا تذرف.

رسالة الى الدكتور عبد العظيم رمضان

من الأستاذ: محمود توفيق

تحمل اليك كتابى هذا السيدتان سهير (زوجتى)، وليلى، كريمتا المرحوم البطل يوسف صديق، ويؤسفنى أننى لم أستطع الحضور بنفسى بسبب المرض، كما أننى آسف أيضاً لعدم حضور شقيقهما اللواء حسين، بسبب ظروف طارئة حالت دون أمكان حضوره، وهما تئوبان عن باقى الأسرة وفيهما الكفاية.
وهما تحملان أيضاً نسخة من مذكرات والدهما، وهى المذكرات التى قام باعادة كتابتها قبل وفاته بمدة وجيزة، وتحت يدهما أصلها المحرر بخطه والمهمور بتوقيعه، وهو مطابق لما بين يديك، فيما عدا شئ من التعديل فى الصياغة بالتقديم والتأخير واعادة الترتيب، وقليل جداً من الحذف، تم اجراؤه بناء على موافقته السابقة قبل وفاته، طبقاً لما هو ثابت على النسخة المحررة بخطة وامضائه.
وهما تحملان اليك أيضاً العديد من المواد المهمة التى تلقى الكثير من الضوء على قصة المرحوم يوسف صديق مع الثورة، وقصة الثورة مع يوسف صديق، سواء عند قيامها، أو بعد قيامها، والتى تعتبر مرجعاً غزيراً للكتابة عنه، سواء كمقدمة للمذكرات، أو لاصدار بحث تاريخى موسع فى هذا الشأن.
ولا يفوتنى فى هذا المجال أن أشير الى أن هدف الأسرة أساساً هو احياء ذكرى المرحوم يوسف صديق، وتسجيل دوره التاريخى فى ثورة يوليو، ليكون تحت نظر الجيل الحالى، والأجيال القادمة، أما عن المقابل المادى المستحق للورثة عن نشر المذكرات، فالأمر متروك لك وللهيئة فى تحديده على النحو الذى ترونه مناسباً.
هذا ويهمنى أن أبدى لكم بعض الملاحظات الموضوعية فى أمر المرحوم يوسف صديق وقصته مع الثورة، بحكم معاصرتى لتلك الأحداث من موقع المشاركة السياسية، ثم بحكم علاقتى الوثيقة جداً بيوسف، اذ تعلمون أنه لم يكن قريباً أو صهراً لى فحسب، بل كان فوق ذلك صديقاً حميماً، ورفيق موقف ورأى ونضال، من خلال روابط فكرية ونضالية وثيقة، وعلى ضوء ذلك كله يمكننى أن أقول، لوجه الله، ولوجه الحق والحقيقة، فى شأنه ما يلى:
 1- أن يوسف وان كان شديد التعاطف مع الحركة الشيوعية، إلا أنه ظل دائماً متحفظاً على موقف الشيوعية من الدين، ومتمسكاً بايمانه الدينى، ومؤمناً بأن الدين الأسلامى بالذات، له مضمون ثورى وتقدمى وديموقراطى أكيد، وما ذكره فى مذكراته فى هذا الشأن هو تقدير صادق لحقيقة موقفه السياسى والفكرى.
وما جذبه للتعاطف مع الحركة الشيوعية انما كان قناعته بدورها فى النضال الوطنى، والديموقراطى، ومن أجل التقدم والعدالة الاجتماعية، وان كان يأخذ على الشيوعيين المصريين أمرين: الأول: تفشى الانقسامية بينهم، والثانى: أعتمادهم الزائد على الوسائل الدعائية، وافتقارهم الى الوسائل العلمية فى العمل السياسى والتنظيمى، وهو ما حدا به للانضمام الى تنظيم الضباط الأحرار فور علمه بوجوده، لكون يقدم طريقاً عملياً لتغيير الأوضاع عن طريق الثورة المسلحة.
 2- أن يوسف كان شديد الايمان بضرورة الثورة على النظام الملكى، والعمل على قلبه بالقوة المسلحة، وكان هذا الايمان العميق هو سر شجاعته وبطولته الأسطورية ليلة 23 يوليو، اذ كان يرى أن الأمر حياة أو موت، سواء بالنسبة له شخصياً، أو بالنسبة لسائر القوى الوطنية فى البلاد، سواء داخل الجيش أو خارجه.
 3- أنه كان شديد الايمان بالأهداف المعلنه للثورة، وهى الأهداف السته المعروفه، والتى على أساسها قبل الانضمام لتنظيم الضباط الأحرار، والعمل فى صفوفه، وكان يرى أن هذه الأهداف السته هى كل لا يتجزأ، ومن هنا كان رفضه القاطع لأى محاولة للخروج عنها، أو لتجزئتها، كما كان حزنه وغضبه ازاء ما أبداه معظم أعضاء مجلس الثورة من مواقف تنطوى على تراجع عن تلك المبادئ، ولا سيما مبدأ الديمقراطية، أو محاولة للتملص من الالتزام به، وكان يرى أن الالتزام بالموقف الديموقراطى هو الضمان الأول لنجاح الثورة فى تحقيق سائر أهدافها، وكان موقفه فى ذلك وليد قناعته السياسية والفكرية، ولم تكن له أيه دوافع أخرى سوى الاخلاص لمصلحة شعبه، والتى من أجلها ضحى عن قناعه تامة بكل المنافع والأعراض.
ولا يفوتنى أيضاً أن أتعرض لنقطة مهمة كنتم قد تعرضتم لها فى بعض كتاباتكم عن أزمة مارس سنة 1954، وعن دور يوسف صديق فيها، وما قال على لسان صاوى أحمد صاوى من أن يوسف صديق قد أتصل به وعرض عليه مبلغ عشرة آلاف جنية، أو وعده بها، مقابل قيامة بتنظيم اضراب لعمال النقل العام لمناصرة موقف القوى الديموقراطية فى الأومة، واحقاقاً للحق، أحب أن أوضح لكم أمرين:
 الأول: رغم أننى لم أكن فى تلك الأيام على صلة يومية بيوسف صديق، فقد كنت منخرطاً فى العمل اليومى المباشر للمشاركة فى أحداث الهيئة الديموقراطية آنذاك، فاننى، وعلى ضوء معلومات توصلت اليها بعد ذلك، مقتنع بصحة ما توصلتم اليه من حدوث لقاء بين يوسف صديق وبين صاوى أحمد صاوى فى تلك الأيام الحرجة فى محاولة من يوسف لكسب تأييد عمال النقل المشترك لموقف القوى الديموقراطية، ويؤيد ذلك ما يلى:
  (1) ايمان يوسف بموقف ودور الطبقة العاملة الثابت من قضية الديموقراطية على مدى تاريخنا الحديث.
  (2) وجود صلة نسب، وأن كانت بعيدة، بين يوسف، وبين صاوى، فالأخير يمت بصلة قرابة لزوجته الأولى، السيدة توحيدة محمود صبرى، مما حدا بيوسف الى توسم القدرة على التأثير عليه من هذه الناحية الشخصية أيضاً.
  (3) وجود حلقة صلة بين الأثنين، هو أحمد الأزهرى العامل بالنقل المشترك، وزميل صاوى، مما كان من شأنه تسهيل حدوث اللقاء بين الطرفين، وللعلم، فان أحمد الأزهرى مازال حياً يرزق، ويمكن الأتصال به لمعرفة حقيقة هذا الأمر.
 والثانى: أننى أنفى لكم نفياً قاطعاً تلك الفرية التى نسبت الى يوسف، من أنه عرض على صاوى مبلغاً كبيراً من المال (عشرة آلاف جنية)، أو وعده به، مقابل قيامة بتنظيم اضراب لعمال النقل، واستند فى هذا النفى الى ما يلى:
  (1) ليس من مبادئ يوسف صديق، ولا مما يتفق مع أخلاقياته، وأن ينتهج أسلوب الرشوة فى العمل النضالى، فلم يكن يوسف بحال من الأحوال ممن يؤمنون بأن الغاية تبرر الوسيلة، بل أن هذه الأساليب كانت تتناقض مع شخصيته على طول الخط، ولعل هذا يفسر الكثير من الأمور فى علاقته مع سلطة الثورة.
  (2) لم يكن مع يوسف فى يوم من الأيام مثل هذا المبلغ، حتى بعطية لصاوى أو يعده به، كما لم يكن متصوراً أن يحصل عليه أو يطلبه من أية جهة أو أى شخص.
أن هذه القصة مختلفة تماماً، والواضح أن صاوى قد اختلقها للحصول على مبلغ من المال من جهات السلطة التى كان على أتصال بها، كما أن هذه الجهات قد روجت لها لتبرير لجوئها الى مثل هذه الوسائل المتدنية فى العمل السياسى، ومن الحقائق المعروفة، أن صاوى قد أشترى فى تلك الأيام عدداً كبيراً من الأفدنه (يقال أنها 15 فدانا) فى قريته "قمن العروس" مركز الواسطى، المجاورة لقربة يوسف "زاوية المصلوب".
ولا يسعنى فى نهاية هذه الرسالة، ألا أن أكرر لكم الشكر والتحية، متمنياً لكم دوام التوفيق فى خدمة الحق والحقيقة.
وفقنا الله جميعاً لما فيه خير الوطن،
       1997/5/10
         المخلـــص 
محمود توفيق

يوسف صديق فى مواجهة الاضطهاد فى العهد الملكى

فيما يلى نوارد عددا من النصوص التى توضح جانبا من الاضطهاد والظلم الذى تعرض له يوسف صديق فى العهد الملكى، ونضاله ضد هذا الظلم.

(1) ادارة اللواء الثانى المشاه
    قيد ضابط 1- 2/ 48
    أسدود فى 1948/7/31
 بخصوص ترك حضرة الصاغ اركان حرب يوسف أفندى منصور صديق من ك 7 بنادق فى الترقى لرتبة بكباشى.
حضرة صاحب العزة قائد عام القوات المصرية بفلسطين.
أتشرف بأن أرسل لعزتكم مرفوقة كتاب ك 7 بنادق مشاة رقم 48/1/1 سرى /266 بتاريخ 1948/7/29 عن الموضوع المشار اليه بعاليه رجاء الاطلاع وأنى أوصى مشددا بالنظر فى أمر ترقية حضرته حيث أنه ضابط ممتاز شجاع فى خدمة الميدان.
     
 وتفضلوا بقبول فائق الأحترام.

يوسف                                     أميرالاى
طبق الأصل                          (أمضــــــــــــــاء)
                                       قائد اللواء الثانى المشاة 
==========================
(2) رئاسة اللواء الثانى المشاة
    رقم القيد 37/48/2/1
   غزة فى 1948/11/9
بخصوص منح أجازة لحضره الصاغ (أ.ح)
يوسف أفندى منصور صديق من ك 7 بنادق
مشــــــــاة
صاحب السعادة قائد القوات المصرية بفلسطين.
أتشرف بأن أرسل لسعادتكم الالتماس المقدم من حضرة الصاغ (أ.ح) يوسف أفندى منصور صديق الوارد بكتاب الكتيبة السابعة بنادق مشاة رقم 37/48/1/1 بتاريخ 7 الجارى رجاء العلم بأنى أقدر شخصيا ما عليه حضرته من أقدام وتضحية ووضع نفسه فى أخطر جزء فى قطاع كتيبته باستمرار فى أى مكان خصص للكتيبة ولذا أعرض التماس حضرته وأرجو وضعه موضع التقدير ردا لروحه العالية.

         وتفضلوا بقبول فائق الأحترام.

طبق الأصل                        لواء أمضاء
يوسف                       قائد اللواء الثانى مشاة
=========================
(3) حضرة صاحب العزة قائد قسم القاهرة.
أتشرف برفع مظلمتى الى عزتكم رجاء التكرم بالنظر
 1- بتاريخ 48/7/29 ظهرت النشرة العسكرية وأنا فى الميدان وليس فيها اسمى بين أقرانى الذين رقوا لرتبة البكباشى أعبتارا من 1948/7/7.
2- تشرفت بمقابلة معالى الوزير يوم 48/8/9 للوقوف على أسباب تركى فعلمت من معاليه أن ذلك جاء نتيجة تقرير كتبه فى حقى ضابط مخابرات القنال فى أثناء وجودى بالاسماعيلية، فلما طالبت معاليه باجراء تحقيق فى محتويات هذا التقرير لاظهار حقيقة موقفى اكتفى معاليه بالاقتناع بأن هذا الجزاء مادام قد توقع بدون تحقيق فهو جزاء، غير عادل فوعدنى باعادة حقى كاملا فى أقرب فرصة.
3- عدت الى كتيبتى بالميدان (ك 7 بنادق مشاة) بتاريخ 49/1/23 بعد أجازة مرضية وكانت قيادتها فى أثناء الاجازة قد أسندت الى حضرة القائمقام أركان الحرب على على عامر الذى لم يكن قد رآنى قبل ذلك ولم أتشرف بالخدمة معه فوجدت أن حضرته قد طلب من رئاسة القوات بفلسطين نقلى من كتيبته لعدم رغبته فى تعاونى معه وعلمت أن ذلك نتيجة السمعة السيئة التى تسببت عن تقرير ضابط المخابرات، وفعلا أعادتنى رئاسة القوات بدون مناقشة الى القاهرة حيث الحقت بالكتيبة 15 التى أعمل بها الآن.
4- فى 11 فبراير سنة 49 ظهرت النشرة العسكرية العدد الثانى والذى رقيت فيه الى رتبة البكباشى غير أن الترقى أحتسب لى من 48/12/1 وليس من 48/7/7 فلم يتحقق لذلك وعد معالى الوزير فى اعادة حقى كاملا وبذلك أكون قد تحملت جزاء لا مبرر له وقد اساء الى هذا الجزاء ماديا وأدبياً.
5- بتاريخ 49/3/2 استدعيت للشهادة أمام مجلس عسكرى عالى عقد برئاسة عزتكم فى قسم القاهرة لمحاكمة الملازم أول محمد جلال ابراهيم حافظ من سلاح الصيانة على أخطاء نسبت اليه فى الميدان فتأجل هذا المجلس الى 3/5 ثم الى 3/27 ولم استدع بعد ذلك لتأدية الشهادة أمام المجلس المذكور وعلمت أنه قد الغى على أن تنظر لجنة الضباط فى أمر الضباط المنسوب اليهم أخطاء فى هذا المجلس عند النظر فى أمر ترقيتهم الى رتب أعلى ولما كنت ضمن هؤلاء الضباط وكنت مستريحا لاجراء هذه الماحكمة ليتبين موقفى واضحا أمام عدالة المجلس فقد ساعنى أن يلغى هذا المجلس ويترك الأمر للجنة الضباط.
ولما كان التقرير كتبه ضابط مخابرات مغرض قد أساء الى هذه الاساءة البالغة وقررت لجنة الضباط تركى فى الترقى نتيجة وجوده فى ملف خدمتى فى الصورة الموجودة لدى كاتم أسرار حربية، فاننى أجد نفسى قلقا على مستقبلى وأنا متهم بأخطاء نسبت الى فى الميدان وترك أمر النظر فيها الى لجنة الضباط حيث لا يوجد من يدافع عن حقى ومن يعصمنى من التعرض لجزاء آخر بدون مبرر توقعه هذه اللجنة جون تحقيق كما سبق أن فعلت.
6- كتبت الى رئاسة ادارة الجيش بتاريخ 49/3/21 أسأل عن سبب الغاء المجلس العسكرى بكتاب الكتيبة رقم 49/9/3 سرى 66/ بتاريخ 3/22 لرئاسة اللواء الخامس المشاة لعلى أحصل منها على رد مطمئن فلم ترد للآن.

وأننى التمس من عزتكم انصافى وذلك بالآتى:
أ- باعادة النظر فى تقرير تاريخ ترقيتى لرتبة البكباشى ليكن من 48/7/7 حيث لا يوجد مبرر لتأخيرى الى 48/12/1.
ب- سحب التقرير الذى كتبه ضابط المخابرات من ملف خدمتى حتى لا يظل تأثيرة السئ يضر بمستقبلى بدون مبرر.
جـ - أستئناف التحقيق معى أمام هيئة تحقيق فى الاخطاء المنسوبة الى فى الميدان أو سحب كل ما يتعلق بهذه الأخطاء من ملف خدمتى حتى لا أعيش مهددا وقلقا وحتى أتفرغ لعملى بقلب مطمئن فى خدمة الله والملك والوطن.

              وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

هاكستب فى 49/5/9
                                         بكباشى أ.ح
                                    يوسف منصور صديق 
                           ك 7 بنادق وملحق ك 15 بنادق مشاة