يوليو وتزييف التاريخ


قلم رصاص
بقلم: لمعى المطيعى
جريدة الوفد المصرى

أخطر ما فى الأحداث الكبرى هو تغيير الوقائع وتزييف التاريخ. ونحن نكتب حلقة اليوم عن الساعات الأولى لما حدث فى مصر يوم الأربعاء 23 يوليو 1952.
معروف لدى كل الذين عاصروا هذه الأحداث، ولدى كل الذين كتبوا عنها دون هوى أو غرض أن الذى قاد جزءا مهما فى عملية القبض على قادة الأسلحة من لواءات الجيش القدامى هو.. 
والوصف هنا بقلم "الاستاذ محمد حسنين هيكل" بعباراته الرشيقة فى 27 أغسطس 1952 على صفحات مجلة "آخر ساعة" انه "العملاق الاسمر ذو العينين الحمراوين.. عملاق طويل عريض.. لفحته الشمس فى معسكرات الجيش فجعلته أشبه ما يكون بتمثال من البرونز لفارس محارب مدرع من القرون الوسطى.. دبت فيه الحياة بمعجزة فخرج الى عالم المغامرات. هناك لأزمتان تميزانه دائما.. شعر منكوش مهوش، وعينان حمراوان من قلة النوم وكثرة ما يبذل من جهد.. وكان شكله فجر يوم حركة القوات المسلحة رائعا.. لقد قام بهذه العملية الخطيرة بمنتهى الثبات والجرأة والسرعة".
والكاتب الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل يقصد بحديثه هذا القائمقام يوسف منصور صديق الذى خرج من تراب مصر فى 3 يناير 1910 وعاد اليه فى صباح 31 مارس 1975 فى قرية صغيرة من صعيد مصر.
وقد عبر يوسف صديق عن اعتزازه بهذا الدور التاريخى فى حديث له بجريدة المصرى فى 24 مارس 1954 بقوله: "ان صح لى ان أتحدث عن نفسى فأنى أقول لهؤلاء انى ضابط مصرى قمت على رأى الضباط الأحرار يوم 23 يوليو سنة 1953 بالدور الرئيسى الذى مكن الضباط الأحرار من تنفيذ سياستهم..".
وهؤلاء الضباط الذين كانوا تحت قيادة الضابط الجسور "يوسف صديق" فى عملية القبض على "حسين فريد" ومعاونيه من قادة الأسلحة هم "عبد المجيد شديد"، ومحمود حسنى عبد القادر، ومحمد أحمد على غنيم، ومحمود عباس عبد الهادى"، وفى هذا الحال نسجل حقيقتين تاريخيتين هما:
1- ان البكباشى يوسف صديق هو أول من تحرك على رأس قوة صغيرة والقى القبض على قادة الاسلحة الذين كانوا مجتمعين برياسة قائدهم "حسين فريد".
2- تحرك يوسف صديق قبل ساعة الصفر بساعة وهذا التحرك يسميه الكثيرون "الخطأ الذى انقذ الثورة".
وعلى الرغم من هذه الحقائق فان الرئيس الراحل "أنور السادات" لأسباب كثيرة لم يشأ أن يعترف بهذه الحقيقة، وفى بعض ما كتب نسب قيادة التحرك الأول الى المشير عبد الحكيم عامر وهذا ليس صحيحا على الاطلاق، ومرة أخرى نسبة الى عبد المجيد شديد الذى شارك فعلا فى هذا التحرك تحت قيادة "يوسف صديق".
ان هذه المحاولة من السادات لالغاء دور يوسف صديق فى التحرك الأول الذى كان العامل الرئيسى فى استيلاء الضباط الأحرار على السلطة، هذه المحاولة الفاشلة تقف فى وجهها دراسات ومذكرات تاريخية وكتابات تقر بالحقيقة بان البكباشى يوسف صديق ولا أحد غيره هو الذى تحرك بقواته قبل ساعة الصفر بساعة وأستولى على مقر قيادة الجيش وألقى القبض على قادة الاسلحة من لواءت الجيش القدامى، وبذلك فشلت محاولة قيادة الجيش فى التحرك واجهاض اتفاق الضباط الأحرار للاستيلاء على السلطة. ومن حسن حظ التسجيل التاريخى ان كتابات كثيرة موثوقا بها سجلت ليوسف صديق دوره التاريخى ومن هذه الكتابات والدراسات والمذكرات ما أصدره الصحفى حمدى لطفى، واللواء محمد نجيب وعبد اللطيف البغدادى، والمؤرخ العسكرى جمال حماد، وأحمد حمروش وخالد محيى الدين.
هذه واحدة، ربنا ستر ووجد يوسف صديق من ينتصر له فيها، ولكن تعالوا الى محاولة أخرى، فى المتحف الحربى بالقلعة قاعة خاصة بتماثيل أعضاء مجلس قيادة الثورة. التماثيل للواء محمد نجيب، وجمال عبد الناصر، والمشير عبد الحكيم عامر، وحسين الشافعى، وزكريا محيى الدين، وأنور السادات، وخالد محى الدين، وكمال الدين حسين، وحسن ابراهيم، وجمال سالم، وصلاح سالم، وعبد اللطيف البغدادى، ولا نجد بين هذه التماثيل تمثالا ليوسف صديق ولا تمثال لعبد المنعم أمين. وكلاهما كان عضوا بمجلس قيادة الثورة ولا دخل لنا هنا بالتوجهات الفكرية لأى واحد منهما، نحن فقط تهمنا الحقيقة التاريخية لأن الأجيال القادمة التى ستزور المتحف لا تعرف سوى الاثنى عشر تمثالا كقادة لثورة يوليو.
والمسئولية الآن فى تصحيح هذا الخطأ وعدم استمرار المغالطة التاريخية تقع على أعضاء مجلس قيادة الثورة السابقين.. عبد اللطيف البغدادى وحسين الشافعى وزكريا محيى الدين وخالد محيى الدين وكمال الدين حسين متعهم الله بالصحة ومد فى أعمارهم، هم وحدهم القادرون على تقديم الشهادة الصحيحة للتاريخ حتى يقتنع المسئولون عن المتحف الحربى ويقيموا تمثالين واحد ليوسف صديق يضعونه على يسار التماثيل القائمة حاليا لأعضاء مجلس قيادة الثورة، وواحد لعبد المنعم أمين يضعونه على يمين هذه التماثيل.

لمعى المطيعى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق